الشنقيطي

319

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وعلا ربّ كلّ شيء ، وهو المعبود وحده جلّ وعلا : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) [ القصص : 88 ] . وقد حرّر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه في رسالته في علوم القرآن : أنّ مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات ليس اختلافا حقيقيا متضادّا يكذب بعضه بعضا ، ولكنّه اختلاف تنوعي لا يكذب بعضه بعضا ، والآيات تشمل جميعه ، فينبغي حملها على شمول ذلك كلّه ، وأوضح أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة رضي اللّه عنهم ، وعزاه لجماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ( 53 ) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 54 ) [ 53 - 54 ] . قرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي « مهدا » بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف . وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف . والمهاد : الفراش . والمهد بمعناه . وكون أصله مصدرا لا ينافي أن يستعمل اسما للفراش . وقوله في هذه الآية : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ في محل رفع نعت ل « ربّي » من قوله قبل قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى ( 52 ) [ طه : 52 ] أي لا يضلّ ربّي الذي جعل لكم الأرض مهدا . ويجوز أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف ؛ أي هو الّذي جعل لكم الأرض . ويجوز أن ينصب على المدح ، وهو أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة أعني ، كما أشار إلى هذه الأوجه من الإعراب في الخلاصة بقوله : وارفع أو انصب إن قطعت مضمرا * مبتدأ أو ناصبا لن يظهرا هكذا قال غير واحد من العلماء . والتحقيق أنه يتعيّن كونه خبر مبتدأ محذوف ؛ لأنّه كلام مستأنف من كلام اللّه . ولا يصحّ تعلّقه بقول موسى لا يَضِلُّ رَبِّي لأنّ قوله فَأَخْرَجْنا يعين أنه من كلام اللّه ، كما نبّه عليه أبو حيان في البحر ، والعلم عند اللّه تعالى . وقد بيّن جلّ وعلا في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالّة على أنه المعبود وحده ؛ ومع كونها من آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره - فهي من النعم العظمى على بني آدم . الأولى : فرشه الأرض على هذا النمط العجيب . الثانية : جعله فيها سبلا يمرّ معها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر .